تكنولوجيا

السفر الملهم للسلحفاة دريا من اليونان إلى مصر يتحول إلى نموذج لحماية الحياة البحرية

في دراسة علمية مثيرة طرحتها جمعية أرخيلون لحماية السلاحف البحرية باليونان ومركز أشتوم الجميل في مصر، تم تسليط الضوء على حالة فريدة ومعقدة تتعلق بإنقاذ السلحفاة البحرية “دريا” من نوع السلحفاة ذات الرأس الكبير (Caretta caretta). تعرضت “دريا” لسلسلة من الإصابات نتيجة الأنشطة البشرية، وهو ما يجعل قصتها مثالًا بارزًا للتعاون الإقليمي في حماية الحياة البحرية، وخصوصاً في منطقة البحر الأبيض المتوسط.

توضح الدراسة أن حالة السلحفاة المهددة تعكس أهمية التعاون بين مراكز إنقاذ السلاحف البحرية في الدول المحيطة، حيث تمثل تجربة “دريا” نموذجًا للتكامل في تبادل البيانات والخبرات الضرورية لمواجهة التهديدات المتزايدة التي تواجه الكائنات البحرية المهددة بالانقراض. في لقاء مع الدكتور حسين محمد رشاد، المدير لمركز أشتوم الجميل، بيّن أن حالة “دريا” لم تكن مجرد قصة إنقاذ فردي، بل تجسد الروابط البيئية الحيوية في البحر المتوسط، مما يستدعي تكامل الجهود عبر الحدود.

أحداث هذه الحالة بدأت في عام 2022، عندما وُجدت “دريا” في شمال غرب اليونان وهي تعاني من إصابة جسيمة في الرأس نتيجة اعتداء بشري. تم نقلها إلى مركز أرخيلون، حيث خضعت لعلاج مكثف دام 158 يومًا، واشتمل على متابعة طبية دقيقة وتدريبات تهدف إلى تأهيلها للعودة إلى بيئتها الطبيعية. وبعد استقرار حالتها، أُعيدت “دريا” إلى البحر، وقد زودت بجهاز تتبع إلكتروني لمراقبة مسارات هجرتها في المستقبل.

أظهرت البيانات التي تم جمعها بعد إعادة إطلاق “دريا” أن السلحفاة استمرت في التحرك وفقًا لمسارات الهجرة المعتادة، وتم رصدها لاحقًا على سواحل مصر بمحافظة الضبعة، ما اعتبر دليلاً علمياً على نجاح إعادة التأهيل، وقدرة السلاحف البحرية على العودة إلى مواطنها الطبيعية ، حتى بعد التعرض لإصابات خطيرة.

مع ذلك، لم تنتهِ قصة “دريا” عند هذا الحد. فقد تم تسجيل انتكاسة جديدة لها في فبراير 2025، عند ظهورها على أحد شواطئ الإسكندرية بحالة صحية سيئة، مما استدعى تدخلًا سريعًا ونقلها إلى مركز أشتوم الجميل. هنا، تمكن فريق طبي بقيادة الدكتور حسين محمد رشاد من تشخيص الإصابة التي كان سببها سنارة صيد عالقة في المريء، وهو ما يتطلب تدخلاً سريعًا لتفادي مضاعفات خطيرة.

استطاع الفريق بدقة عالية استخراج السنارة دون حدوث مضاعفات، مما أتاح المجال أمام “دريا” للدخول في مرحلة علاجية جديدة استمرت 111 يومًا تحت إشراف طبي مكثف، حيث تم التأكد من قدرتها على استعادة سلوكها الطبيعي قبل اتخاذ قرار آخر بإطلاقها.

في 23 مايو 2025، تم إطلاق “دريا” من جديد في محمية أشتوم الجميل، وهو ما يمثل تتويجاً لجهود علمية مشتركة بين مصر واليونان. وقد أشار رشاد إلى أن هذه الخطوة ليست نهاية القصة، بل بداية مرحلة جديدة من المتابعة والرصد، لضمان استقرارها في بيئتها الطبيعية ومراقبة تحركاتها المستقبلية.

تعكس قصة “دريا” نموذجًا مثاليًا للتعاون بين مراكز الإنقاذ ومنظمات البيئة، حيث يتم تبادل المعلومات والخبرات لمواجهة التهديدات التي تحدق بالسلاحف البحرية. وتبرز الدراسة كيف يمكن أن يؤدي التعاون الدولي إلى تحقيق إنجازات ملموسة في مجال حماية التنوع البيولوجي، مما يعزز من فرص بقاء الأنواع المهددة في مواجهة الضغوط البشرية المتزايدة في البحر المتوسط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى