اكتشاف مذهل من العلماء حول تأثير القهوة على ضغط الدم

لطالما ارتبطت القهوة بارتفاع ضغط الدم في أذهان العديد من الناس، لكنها ليست بالبساطة التي يبدو عليها الأمر. حيث تشير الأبحاث الحديثة إلى أن تأثير الكافيين على ضغط الدم أكثر تعقيدًا. على الرغم من أن تناول القهوة قد يؤدي لارتفاع مؤقت في ضغط الدم، خاصة لدى الأشخاص الذين لا يعتادون على شربها، إلا أن الدراسات الكبيرة لم تجد دليلًا قويًا يدعم فكرة أن استهلاك القهوة المعتدل يزيد من خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم المزمن لدى الغالبية العظمى من الناس.
تعد القهوة واحدة من أكثر المشروبات شعبية في جميع أنحاء العالم، حيث أنها جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية لملايين الأشخاص على مر أكثر من 600 عام. يستهلك الأفراد متوسط كيلوغرامين من القهوة سنويًا، مع وجود تنوع كبير في طرق التحضير وأنواع الحبوب، مما يؤدي إلى استجابات فردية مختلفة تجاه الكافيين، وهي مسألة تتأثر جزئيًا بالتركيب الوراثي للفرد.
يقاس ضغط الدم بمدى القوة التي يدفع بها الدم على جدران الشرايين خلال عمل القلب. يتألف من رقمين، الأول هو الضغط الانقباضي الذي يُقاس أثناء انقباض القلب، والثاني هو الضغط الانبساطي الذي يُقاس أثناء استرخاء القلب بين الضربات. يُعتبر الضغط الطبيعي أقل من 120/80، بينما يعبر الرقم 140/90 أو أكثر عن ارتفاع ضغط الدم. تكمن خطورة الارتفاع في ضغط الدم في أنه غالبًا لا يظهر علامات واضحة، لكنه قد يزيد من مخاطر الإصابات القلبية والسكتات الدماغية وأمراض القلب والكلى إذا لم يُعالج بشكل فعال.
الكافيين يعمل كمنبه لحركة الجسم، إذ قد يُسبب لدى بعض الأشخاص زيادة في سرعة نبض القلب، كما يُحفز الغدد الكظرية على إفراز الأدرينالين، مما يؤدي إلى ضيق الأوعية الدموية وزيادة مؤقتة في ضغط الدم. على العموم، تصل ذروة تركيز الكافيين في الدم بعد نحو نصف ساعة إلى ساعتين من تناول القهوة، ويستمر تأثيره في الجسم لمدة تتراوح بين ثلاث إلى ست ساعات، مع اختلافات في القدرة على التخلص منه بناءً على عوامل مثل العمر والعوامل الوراثية وعادات استهلاك القهوة.
وقد أشارت مراجعات بحثية إلى أن الكافيين يمكن أن يؤدي إلى زيادة مؤقتة في الضغط الانقباضي بمعدل يتراوح بين 3 إلى 15 درجة، والضغط الانبساطي بنحو 4 إلى 13 درجة بعد تناوله. ومع ذلك، القهوة تحتوي على مئات المركبات النباتية التي قد تؤثر بشكل إيجابي على صحة الأوعية الدموية وضغط الدم، مثل الميلانويدينات التي تحسن توازن السوائل وبعض الإنزيمات المرتبطة بالضغط، بالإضافة إلى حمض الكينيك الذي ارتبط بتحسين وظيفة الأوعية الدموية وتقليل ضغط الدم.
وعند تقييم التأثير طويل الأمد للقهوة، وجدت الأبحاث عدم وجود علاقة واضحة بين تناول القهوة بشكل معتدل وزيادة خطر ارتفاع ضغط الدم. فبعد تحليل بيانات من 13 دراسة تضم نحو 315 ألف شخص، لم تُظهر النتائج زيادة ملحوظة في معدل ارتفاع الضغط بين شاربي القهوة مقارنة بغيرهم. ومع ذلك، أكدت دراسة يابانية طويلة الأمد أن الأشخاص الذين يعانون من ارتفاع ضغط الدم الشديد قد يكونون أكثر عرضة لمضاعفات قلبية عند استهلاك كميات كبيرة من القهوة، حيث لوحظ أن الذين يتناولون كوبين أو أكثر يوميًا من القهوة وكان ضغطهم مرتفعًا، زاد لديهم خطر الوفاة بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية بشكل ملحوظ مقارنة بغير شاربي القهوة.
أما الذين يتمتعون بضغط دم طبيعي أو زيادة طفيفة، فلم يظهر لديهم نفس درجة الخطر. يُشير ذلك إلى أن تأثير القهوة يعتمد بشكل كبير على الحالة الصحية العامة للفرد. لذلك، يرى الباحثون أنه ليس من الضروري أن يتوقف الناس عن تناول القهوة تمامًا، بل يكفي أن يتبعوا نظامًا معتدلاً ويكونوا واعين لحالتهم الصحية. ويفضل أن يتم مراقبة ضغط الدم بانتظام وتقليل استهلاك الكافيين في حالة وجود ارتفاع ملحوظ أو مشكلات قلبية، مع توخي الحذر من تناول القهوة قبل قياس الضغط مباشرة، حيث يمكن أن تؤثر على النتائج.
كذلك، يُفضل تجنب شرب القهوة في فترات متأخرة من اليوم إذا كانت تؤثر على النوم، لأن اضطرابات النوم يمكن أن تساهم بدورها في ارتفاع ضغط الدم ومشكلات القلب. بناءً على الأدلة الحالية، يمكن القول إن تناول القهوة بشكل معتدل ليس عدوانيًا على القلب لدى الأغلبية، لكن من المهم أن يكون هناك توازن ومتابعة طبية مستمرة بدلًا من اتخاذ قرارات صارمة بخصوص استهلاكها.



